الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

66

مختصر الامثل

هذه الآية هي نتيجة الآيات السابقة ، إذ تقول : بعد كل تلك الأدلة والآيات الواضحة التي تؤكد التوحيد : « أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِى حَكَمًا » . وهو الذي أنزل هذا الكتاب السماوي العظيم الذي فيه كل احتياجات الإنسان التربوية ، وما يميّز بين الحق والباطل والنور والظلمة ، والكفر والإيمان : « وَهُوَ الَّذِى أَنزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا » . وليس الرسول والمسلمون وحدهم يعلمون أنّ هذا الكتاب قد نزل من اللَّه ، بل إنّ أهل الكتاب ( اليهود والنصارى ) يعلمون ذلك أيضاً ، لأنّ علائم هذا الكتاب السماوي قرؤوها في كتبهم ويعلمون أنّه نزل من اللَّه بالحق : « وَالَّذِينَ ءَاتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبّكَ بِالْحَقّ » . وعلى ذلك لم يبق مجال للشك فيه ، وكذلك أنت أيّها النبي لا تشك فيه أبداً ، « فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ » . الآية التالية تقول : « وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَّامُبَدّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ » . « الكلمة » : بمعنى القول وتطلق على كل جملة وكل كلام مطولًا كان أم موجزاً ، أمّا بالنسبة لاستعمالها في هذه الآية إنّها تعني القرآن لأنّ الآيات السابقة كانت تشير إلى القرآن . فيكون معنى الآية إذن : إنّ القرآن ليس موضع شكّ بأيّ شكل من الأشكال ، فهو كامل من جميع الجهات ولا عيب فيه ، وكل أخباره وما فيه من تواريخ صدق ، وكل أحكامه وقوانينه عدل . ويستند بعض المفسرين إلى هذه الآية لاثبات عدم تحريف القرآن ، لأنّ تعبير « لَّامُبَدّلَ لِكَلِمَاتِهِ » تعني أنّ أحداً لا يستطيع أن يحدث في القرآن تبديلًا أو تغييراً ، لا في لفظه ، ولا في أخباره ، ولا في أحكامه ، وأنّ هذا الكتاب السماوي الذي يجب أن يبقى حتى نهاية العالم هادياً للناس سيبقى محفوظاً ومصوناً من أغراض الخائنين والمحرّفين . وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ ( 116 ) إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ ( 117 ) نعلم أنّ آيات هذه السورة نزلت في مكّة ، يوم كان المسلمون قلّة في العدد ، ولعل قلّتهم هذه وكثرة المشركين وعبدة الأصنام كانت مدعاة لتوهّم بعضهم أنّه إذا كان دين أولئك